محمد رأفت سعيد
192
تاريخ نزول القرآن الكريم
الله صلّى اللّه عليه وسلم فقرأ : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثم دخل فقال بعضنا لبعض : إني أرى هذا خبرا جاءه من السماء ، فذاك الذي أدخله ، ثم خرج فقال : « إني قلت لكم سأقرأ عليكم ثلث القرآن ، ألا إنها تعدل ثلث القرآن » فبهذا التعليم النبوي الذي يشعر الناس بأهمية ما جمعوا له في هذا الحشد الذي لا ينسى يستقر في نفوس الناس المعنى العظيم الذي تتضمنه سورة الإخلاص ، وذكر القرطبي في معنى الثلث : قول بعض العلماء : إنها عدلت ثلث القرآن لأجل هذا الاسم الذي هو « الصمد » ، فإنه لا يوجد في غيرها من السور وكذلك « أحد » . وقيل : إن القرآن أنزل أثلاثا ، ثلثا منه أحكام ، وثلثا منه وعد ووعيد ، وثلثا منه أسماء وصفات ، وقد جمعت « قل هو الله أحد » أحد الأثلاث ، وهو الأسماء والصفات ، ودل على هذا التأويل ما في صحيح مسلم رحمه الله من حديث أبي الدرداء رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إن الله جلّ وعزّ جزأ القرآن ثلاثة أجزاء ، فجعل قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( 1 ) جزءا من أجزاء القرآن » وهذا نص ، وبهذا المعنى سميت سورة الإخلاص . والله أعلم . وأما تفاعل الصحابة معها وإدراكهم لمعانيها ، والذي وقعهم في حبها والإكثار منها فالشواهد عليه كثيرة ، منها ما رواه مسلم رحمه الله عن أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم بعث رجلا على سرية ، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم ب قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال : « سلوه لأي شئ يصنع ذلك ؟ » فسألوه فقال : لأنها صفة الرحمن ، فأنا أحب أن أقرأ بها ، فقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « أخبروه أن الله عز وجل يحبه » . وروى الترمذي عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال : كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء ، وكان كلما افتتح سورة يقرؤها لهم في الصلاة فقرأ بها ، افتتح ب قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ حتى يفرغ منها ، ثم يقرأ سورة أخرى معها ، وكان يصنع ذلك في كل ركعة ، فكلّمه أصحابه ، فقالوا : إنك تقرأ بهذه السورة ، ثم لا ترى أنها تجزيك حتى تقرأ بسورة أخرى ، فإما أن تقرأ بها ، وإما أن تدعها وتقرأ بسورة أخرى ؟ قال : ما أنا بتاركها ، وإن أحببتم أن أؤمّكم بها فعلت ، وإن كرهتم تركتكم ، وكانوا يرونه أفضلهم ، وكرهوا أن يؤمهم غيره ، فلما أتاهم النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم أخبروه الخبر ، فقال : « يا فلان ما يمنعك مما يأمر به أصحابك ؟ وما يحملك أن تقرأ هذه السورة في كل ركعة » ؟ فقال : يا رسول الله ، إني أحبها ، فقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « إن حبها أدخلك الجنة » ، قال : حديث حسن غريب صحيح .